الجمعة، 29 مايو 2015

الخطوط الحمراء في أمن الخليج العربي




الخطوط الحمراء في أمن الخليج العربي



الواقع اليوم يقول إن الشعوب الخليجية لم تعد تثق بالسياسة الأمريكية اللاعبة على الحبلين، وأن مسألة تقديم الضمانات الأمنية والسياسية من الجانب الأمريكي بعد قمة كامب ديفيد ستكون دائماً في محيط المراقبة والانتظار.

كما إن الواقع يقول إنه أمام مسألة اهتمام الرئيس الأمريكي أوباما الذي لم نجده "يفزع" ويهتم بهذا القدر بإبراز ضمانات أمريكا الأمنية والدفاعية حول المسألة البحرينية عام 2011 لا يعدو "بياع أسلحة وصواريخ" وعراب اقتصادي لإيجاد مكتسبات اقتصادية جديدة لأمريكا في فترة رئاسته، علماً بأن الشعوب العربية قد فهمت عنه هذا الدور من خلال صواريخه الكلامية الإنشائية إزاء الربيع العربي وتناقض إدارته الواضح جراء سياسته في المنطقة التي أوجدت الكثير من الحروب والتمزق الأهلي والأمني!


أوباما في مأزق تاريخي يدفعه للبحث عن مكاسب سياسية أمام إدارته التي فشلت فشلاً ذريعاً وخسرت ثقة الشعوب العربية، خاصة الخليجية، إزاء تعاملها المتحيز خلال أزمة البحرين الأمنية والمشاركة في نفث النار في المنطقة العربية، وما لا يدركه أوباما أن دور أمريكا المتلون وتصريحاتها الإنشائية لم تعد لامعة وبراقة بحيث تلفت الجمهور الخليجي لمتابعتها باهتمام وبجدية، بل باتت مصدراً للتندر في ساحات التواصل الاجتماعي.
يسعى أوباما إلى طمأنه دول الخليج بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وهذا بالأصل ليس بمنطقي، خاصة أمام مواقفها مع الدول العربية كسوريا والبحرين والعراق.. إذ إن مشكلة دول الخليج مع إيران ليست في طموحها النووي فحسب؛ إنما دورها السياسي الذي تود استغلال قوتها العسكرية واستخدامها كورقة ضغط من خلاله!


إن العصابات الإيرانية في المنطقة دائماً كانت ومازالت تهدد بالتدخل الإيراني المباشر في المناطق العربية التي تعيث فيها إرهاباً، هذا بخلاف طبعاً التدخل الإيراني الخفي من خلال تزويدهم بالأسلحة ومعسكرات التدريب والمليشيات، فهل نسي أوباما ما فعله خلال أزمة البحرين حين كان يستخدم الوفاق كورقة ضغط على مملكة البحرين، ويورد اسمها في خطاباته وكأنها قوة سياسية عظمى ونظام دولة لا كيان سياسي ضئيل لا يمثل نصف الشعب البحريني ولا مكوناته السياسية، وحين كان هو وزمرة دكاكين حقوق الإنسان والمنظمات غير الحقوقية يتعمدون إغفال الواقع البحريني الأمني وفي إبراز نصف الكأس الفارغ لا الممتلئ من الحقيقة؟ لن ينسى الشعب البحريني معاناته من الاضطهاد الإعلامي في الوسائل الأمريكية ولا في خطابات أوباما نفسه حينما جمع بين الشأن السوري بالبحريني.


دول الخليج العربي التي كانت تمثل قوة إقليمية في قمة كامب ديفيد تفقه جيداً لأبجديات اللعبشة الأمريكية الجديدة، فالتلاحم الخليجي كان ملفتاً، وقد أسقط الكثير من تكهنات الأقلام الإيرانية المدسوسة والمغرضة التي يحلو لها دائماً إثارة وجود خلافات كبيرة بين دول الخليج، فحتى وإن لم يتم إشهار الاتحاد الخليجي لوجود ملفات عالقة، فكل تلك الادعاءات تبددت أمام القمة التي بدا فيها الموقف الخليجي قوياً ومكتملاً. 


يدرك قادة دول الخليج أن أمن مملكة البحرين مرتبط بجميع دول الخليج وليس بالمملكة العربية السعودية فحسب؛ فالبحرين التي تاريخياً كان يطلق عليها دانة الخليج هي أيضاً مفتاح أمن الخليج وبوابته، وهم لم ينسوا بالتأكيد مواقف إدارة أوباما تجاه الأزمة الأمنية البحرينية، كما إن تأكيد الولايات المتحدة أنها ستدافع عن دول الخليج العربي في حال تعرضها لعدوان كلام في الهواء لا واقع له أما عدم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي، فهذا كلام لا يحتاج لتصريح بقدر ما يحتاج لتفعيل واقعي يظهر في تعامل السياسة الأمريكية في المنطقة العربية ككل.


إن القلق العميق الذي أبدته أمريكا في البيان الختامي لقمة كامب ديفيد بضرورة إبقاء المنطقة آمنة من الاعتداء الخارجي؛ يذكرنا بالأمين العام للأمم المتحدة الذي يعرف دائماً بإعرابه عن قلقه الدائم تجاه أي قضية، فهذه الكلمة المطاطية لم تعد تساوي شيئاً في نظر شعوب رأت ميزان أمريكا كيف كان أعوجاً ويميل لكفة الإرهابيين في المنطقة، وليس في كفة الشعب البحريني والخليجي الداعم لشرعية بلاده والحفاظ على أنظمة الحكم، أما مسألة إعلانها عن بناء علاقات متينة في كل المجالات بما فيها الدفاع والتعاون الأمني فله أكثر من تفسير، فهو قد يكون اعترافاً مبطناً أن أمريكا ترغب في إيجاد بناء جديد بعد الذي هدمته، أو أنه لم يكن هناك قبل هذه المرحلة بناء، أو أن بناءها مع دول الخليج لم يكتمل لذا فهي بحاجة إلى موازنات ضخمة وجديدة لأجل البناء.



إن كانت أمريكا تكافح الإرهاب فلما لا تعتذر وتكشف عن مدى تورطها في جر المنطقة العربية إلى حروب أهلية دمرت الشعوب وأغرقتها في برك الدماء والخراب، فمكافحة الإرهاب التي تدعيها لم نرها كشعب بحريني عام 2011 عندما كانت البحرين تعاني من مؤامرة دولية لسرقة شرعيتها كمملكة، كما لم نرها عندما تورطت في حرب العراق وسلمتها بيد إيران، ولا في موقفها إزاء القضية السورية الذي قتل شعبها بالأسلحة الكيماوية.


لم يعد هناك تعويل على السياسة الأمريكية تجاه دول الخليج في ضمان حماية أمنها، وكل ما خرجت به من بيانات كانت فضفاضة ملونة، وإن كانت جادة؛ فلما لم تخرج بموقف صريح تعتذر فيه عن خطاباتها غير الحيادية خلال أزمة البحرين 2011 من باب محاولة بحث كسب الثقة الخليجية مجدداً؟



يدعي أوباما أن التهديد الأكبر الذي تواجهه دول الخليج قد لا يكون قادماً من الغزو الإيراني ولكن من الغضب المتصاعد داخل دولهم، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ من يحاول إشعال هذا الغضب والفتن بين الشعوب الخليجية غير إيران من خلال تدخلاتها السافرة في الشؤون الداخلية لدول الخليج؟ عدا عن المخططات الأمريكية غير المكشوفة التي تبيع للجماعات الإرهابية خدعة الديمقراطية فيما لا تطبقها هي في بلادها إن حصل تهديد للأمن الداخلي؟


أمريكا أمام اتحاد دول الخليج كقوة إقليمية متصاعدة وبحثهم عن تحالفات جديدة فيما يخص القوى الإقليمية الجديدة اللاعبة في الساحة الدولية تخشى أن تغيب عن هذا المشهد، لذا فلم تجد بداً من محاولاتها لبيع قواعد الصواريخ لدول الخليج إدراكاً منها أن دول الخليج لاعب مهم في الساحة الدولية، وأن أمن الخليج جزء من الأمن الدولي وأن ما ينقصه ليثبت وجوده أكثر امتلاك القدرات العسكرية والتكنولوجية، فالأساس للضمانة الأمنية سيضعها الخليجيون بأنفسهم وليست الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أثبتت التجربة أن التبعية الأمنية لأمريكا لا تفيد اليوم، فإدارة أوباما فشلت في الإيفاء بوعودها، لذلك فالخليجيون يدركون أكثر من غيرهم أن أمن دول الخليج ليس خطاً أحمر عند أمريكا؛ إنما من الممكن جداً أن يتحول إلى اللون الأخضر في حال تغير مصالحها.


- إحساس عابر..
لا يمكن نسيان الصواريخ الأمريكية الكلامية التي رآها شعب مملكة البحرين خلال عام 2011، في الصغر كنا نضع "الصاروخ" وهو نوع من أنواع "الجراخيات" فإن لم يشتعل كنا نقول عنه فاسداً، لذلك فنحن نحشى أن تكون القواعد الصاروخية التي ستقيمها أمريكا لحماية دول الخليج ضد إيران من هذا النوع.

أنا سني.. أرفض إيذاء الشيعة !



أنا سني.. أرفض إيذاء الشيعة !



الحادثة المؤسفة التي تعرض لها أهلنا في المملكة العربية السعودية الشقيقة جراء تفجير أحد المساجد في محافظة القطيف؛ تؤكد أن من خطط ونفذ هذا التفجير الإرهابي هو نفسه من اهتز واغتاظ من نجاح عاصفة الحزم واتحاد دول الخليج في قمة كامب ديفيد وانكسار الحوثيين وتراجع المد الإرهابي في المنطقة.

هذا العمل الإجرامي الذي جاء بعد عدة أشهر من حادثة قرية الدالوه بمحافظة الإحساء، حين اقتحم مسلحون إحدى الحسينيات مما أسفر عن وفاة ثمانية شباب، يأتي لضرب وحدة الصف السعودي وإيجاد الانقسامات الطائفية والفتن وإضعاف أمن المملكة العربية السعودية من خلال إشغالها بصراعات داخلية تضعف من تحالفاتها العسكرية الخارجية وقوتها السياسية، فهناك من يحاول المفاوضة بشأن الأمن الداخلي لدول الخليج من خلال تفريخ الخلايا الإرهابية وزرعها بداخلها وجعلها ورقة ضغط يتم من خلالها التربح سياسياً واقتصادياً.


الإرهاب لا طائفة له؛ فجميعنا في هذه القضية، سواء سنة أو شيعة، مسلمين، والإسلام يجرم إسالة دماء المسلم وينبذ الإرهاب والقتل، وفي كثير من نصوصه القرآنية وأحاديث رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام نبه إلى عاقبة هدر دماء المسلمين، بل وجعل عقاب من يفعل ذلك الخلود في نار جهنم وحصد غضب الله ولعنته عليه، لذا لم يكن مستغرباً أن نرى أهل السنة قبل الشيعة يهرعون للاصطفاف في طوابير التبرع بالدم لأجل مصابي الحادثة في القطيف.


لا يوجد إنسان عاقل على وجه هذه الأرض يؤيد القتل والتخريب، فالجانب الإنساني فيه قبل الديني حتى لا يتفق مع أي ممارسات تأتي بالأذى على الناس، والإرهابيون لا يمثلون في إرهابهم بالطبع أي وطن وأي مذهب ينتمون له، فأهل السنة ليسوا مع إيذاء أصحاب الطائفة الشيعية مهما بلغت حجم الاختلافات في السياسة والدين والحياة، فلا يعني أنني مختلف عنك أنني أرى دمك حلالاً أو أبيحه، فالدين بمذاهبه المتعددة بريء من الخطابات التي تعمل على إلغاء الآخر وتكفيره.


من منح الإرهابي حزاماً ناسفاً للتفجير في القطيف أراد قبلها إيجاد حزام ناسف من الطائفية والفتن في المنطقة ينسف نعمة الأمن والأمان ويفجر الانقسامات الطائفية ويولد التطرف الديني، الطموح الإيراني والداعشي سيتجه دائماً نحو زعزعة أمن المملكة العربية السعودية التي تعد العمق الاستراتيجي لأمن دول الخليج، والأصابع التي مدت يدها للنيل من أمن المملكة العربية السعودية لا يجب أن تقطع؛ بل يجب أن يعدم الجسد الذي يضمها، سواء أكانت الخلايا داعشية أو إيرانية ولا تهاون ولا رحمة في ذلك أبداً.



في معركة الطائفية التي تحاول إيران فرضها على الدول العربية لا يختلف عقلاء أهل السنة عن عقلاء الشيعة في نبذ هذا التصرف الإجرامي بل واستنكاره والمطالبة بالقصاص ممن نفذه وخطط له، فجميعنا مسلمون وإن اختلفنا دينياً يبقى اتجاه قبلتنا في الصلاة واحدة، وكذلك في الحياة ومبادئ الإسلام الصحيحة التي جاءت من القرآن الكريم والسنة النبوية، فنحن نتجه جميعاً نحو السلام والأمن والحب، وهذا هو الأصل، لذا لا يمكن القبول بصكوك الجنة والنار التي يمنحها بعض ممن نصبوا أنفسهم قضاة على البشر ليحكم ويفتي، فالله هو من يحدد من سيدخل الجنة والنار، وحتى الرسل والأنبياء لم يوهبوا ملكة تقسيم البشر وإصدار الأحكام عليهم حول مسألة دخول الجنة أو النار، من فجر نفسه لقتل الآخرين أملاً في الظفر بالجنة هو مجرم في عرف الدين قبل أن يكون في عرف الحياة وقوانينها لا شهيداً.




المشهد الحاصل ما بعد التفجير يجب أن يفطن إليه حكماء وعقلاء الشيعة وينتبهوا له، ويجب أن يكون الخطاب الوطني خلال الفترة القادمة سواء في السعودية أو البحرين يتسق مع الدعوة إلى وحدة الصف وعدم الانجرار وراء من يرغب في المتاجرة بالقضايا، فأمير المنطقة الشرقية سعود بن نايف عندما اتجه لمستشفى القطيف المركزي لزيارة جرحي التفجير لم يزرهم لأنهم شيعة أو سنة؛ إنما لأنهم مواطنون سعوديون، ولأن النظام السعودي متحد مع شعبه، أين كانت مذاهبهم عندما قام وزير التعليم عزام الدخيل بالتبرع بالدم، لم يتبرع لأن دمه سني ويجب أن يكون للسنة بل لأنه مسلم وواجب عليه خدمة إخوانه المسلمين سواء اتجه دمه لسني أو لشيعي ولا أكثر إنسانية من مشهد أن يحيا شيعي بدم سني نقل إليه عندما كان محتاجاً والعكس.


إن محاولات المتاجرة بدماء ممن قتلوا هو الأسوأ من بعد التفجير الإرهابي وعلى العقلاء أن يتداركوا أن داعش قد كفر أهل السنة قبل الشيعة عندما حرقوا الطيار الأردني الكساسبة ونحروا المصريين، وأن يفطنوا إلى تعاطف أهل السنة مع حادث التفجير يأتي من باب الإنسانية ومن باب مبادئ الإسلام الصحيحة، لا تلك المحرفة أو التي جاءت بالبدع أو بتصرف ممن نصبوا أنفسهم قضاة لتوزيع صكوك الجنة أو النار، وكما تعاطفوا مع قتلى أطفال العراق وسوريا ولبنان واليمن فهم يتعاطفون مع طفل القطيف الذي توفاه الله، وأن مستوى التلاحم الحاصل يأتي من باب الوطنية والدين وطاعة ولي الأمر، وأن هدف التفجير لا يستهدف الشيعة أو السنة إنما الإيذاء لأجل إيجاد حرب طائفية تمرر الأهداف والمخططات.


الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- له جملة تاريخية مؤثرة حينما قال: «إذا أردت معرفة المجرم الحقيقي فابحث عن المستفيد من الجريمة»، إيران اليوم لديها نووي إرهابي طموح في المنطقة قد شرعت من خلال سنين طويلة في إرساء مفاعله في الدول العربية وتصديره بالحروب الطائفية سواء بيد داعشية أو غيرها من خلاياها الإرهابية.


- إحساس عابر «نغزة».. 


إحدى الجمعيات الانقلابية بمملكة البحرين، التي تدعم خطابات العنف والإرهاب والتي في الفترة الأخيرة باتت كما «القملة المقصوعة» ما شاء الله لم تتأخر في إصدار بيان استنكاري وتضامني مع قتلى القطيف يدين ما حصل، على قولة المثل «البعير ما يشوف اعوجاج رقبته».

شيعي ضد حسن نصرالله !



شيعي ضد حسن نصرالله !



يحتاج الشيعة العرب اليوم في دول الخليج إلى قامة دينية معتدلة مثل اللبناني السيد محمد الحسيني، والذي يجيد تعرية الأطراف التأزيمية من الشيعة التي تعمل على تأليب الناس ضد أصحاب المذاهب الأخرى؛ بل وكشف أقنعتهم، خاصة المدعو حسن نصرالله، والتصدي لمخططاتهم ومؤامراتهم، بل قد يبدو المشهد السياسي اليوم أن هناك حاجة لأكثر من نسخة للحسيني في كل دولة عربية تعاني من الحروب الطائفية والفتن، كما أن هناك حاجة إلى قائد شيعي يرفض التعدي على أهل السنة ويكشف كمية الحقد الدفين من قبل تجار الطائفية الإيرانيين في استهداف الأراضي العربية وهدر الدم العربي الشيعي قبل السني.


المشاهد السياسية الحاصلة في السعودية والبحرين بحاجة إلى قائد شيعي مثل الحسيني يعلق على الأحداث الإرهابية والسياسية بوضع النقاط على الحروف، والقول بكل صراحة وجرأة؛ إن ما حصل من تفجيرات صحيح أنها وقعت على يد «داعش»، لكن الذي خطط ونفذ وحرض ويهدف إلى تقسيم الدول العربية هو النظام الإيراني.


هذا الرجل الذي خرج عبر وسائل الإعلام يدعو المواطنين في السعودية إلى التعاون مع وزارة الداخلية ويدعو الشيعة إلى التعقل والانتباه إلى المخطط الجاري، يحمل عقلية خطيرة تكشف عن كم كبير من الفهم والتعقل قلما نجدها في مشايخ الشيعة، الذين لم نجد من بين صفوفهم لدينا من يتكلم بجرأة ويظهر عبر وسائل الإعلام للرد على الخطابات التحريضية لحسن نصرالله دون خطابات ملونة تلعب على أكثر من حبل ولها أكثر من معنى بالباطن، هذا الصوت الشيعي العقلاني من المفترض ألا يكون وحيداً في ميدان الخطابات الشيعية المعتدلة التي تدعو إلى الوحدة ولملمة الصفوف والابتعاد عن الفتن وهدر الدماء.


ما هو أخطر من التفجير هو التحريض، هو التمرير لأهداف وأجندة يراد بها غل الصدور وشحن الأنفس نحو همجية القتل، نحو محو العروبة و»صفونة الأراضي العربية»، نحو التكسب من وراء الأعمال الإجرامية والمتاجرة بالدماء لإشعال الانقسامات الطائفية، تفجير القديج لم يكن فاجعة تقتصر على أهالي المصلين في مسجد الإمام علي بن إبي طالب رضي الله عنه بمحافظة القطيف ولا أصحاب الطائفة الشيعية؛ إنما هو قضية إنسانية بالدرجة الأولى استنكرها القاصي والداني من كلا المذهبين السني والشيعي، ويقف عندها العاقل للتأمل وإدراك الأبعاد المترتبة على هذا الإرهاب.



كما كان لأهل السنة موقف استنكر بشدة هذا الإجرام؛ بل وتضامن مع القتلى لدرجة اصطفافهم في طوابير عند المستشفى للتبرع بالدم لأجل جرحى التفجير، وكما كان لأهل السنة خالص تعازيهم ومواساتهم لأهالي الضحايا، كما تناقلوا صور الطفل حيدر المقيلي، وكما قام «سني» برسم لوحة معبرة شعارها «لا للطائفية» في مقبرة قتلى التفجير لإيصال رسالة إنسانية، مما يعكس أنهم يحملون منهجية حسن النوايا والأسف ضد مثل هذه الممارسات التي لا تمت لهم بصلة ولا تمثلهم، بالمقابل هناك حاجة اليوم تفرض نفسها للإجابة على تساؤلات من نوع؛ لماذا لا يتوفر شيعي واحد يقف كما هو الحسيني بكل جرأة ويعلن التمرد على أنصار المخططات الإيرانية ليأسف على أطفال سوريا والعراق ولبنان والأحواز ولبنان من أهل السنة؟ لماذا لا نجد شيعة عرباً يعلنون «الربيع الشيعي» ويقفون وقفة جادة لإبداء رفضهم القاطع سرقة عروبتهم وتاريخهم وهويتهم الدينية التي ترفض القتل والتعدي على أهل السنة الذين تربطهم بهم علاقات وأواصر محبة ونسب ومصاهرة واختلاط منذ سنين طويلة في البحرين والسعودية؟ لماذا لا نجد منهم من ينشر ما جاء في كتبهم ومراجعهم المتقدمة التي لا يوجد بها ما يؤيد ما تقوم به الدولة الصفوية من طمس لهويتهم ومرجعياتهم المتسامحة التي يتبعونها؟ 


هناك حاجة ملحة اليوم من قبل أصحاب الطائفة الشيعية للعودة عن مسلسل التحريف الجاري الذي أوجد الكثير من سموم الأفكار في معتقداتهم للإعلان عن موقفهم الرافض تجاه الإرهاب الطائفي من خلال إبداء نفس التضامن والمواقف ضد الجرائم الطائفية الجارية في العراق ولبنان وسوريا واليمن والأحواز وإيران، كما يفعل السيد الحسيني.


انسلخ الشيعة العرب من هويتهم العربية عندما أخذت إيران تتآمر على تحريف خطاباتهم الدينية من فوق المنابر، وعندما أخذ بعض علمائهم يتآمرون ويقدمون خطاباتهم الدينية «بتصرف»، فلا يخطبون إلا عما يؤجج ويرفع «ترمومتر» الغل والكراهية تجاه الأطراف الأخرى، والتركيز على أحداث تاريخية مقابل إهمال أحداث تاريخية أخرى. الخطاب الديني الشيعي اليوم يحتاج إلى أن يكون متوازناً ومراقباً ومعرضاً للانتقاد من قبل أصحابه الشيعة أنفسهم، كما يفعل أهل السنة مع أصحاب الخطب الدينية عندهم. 


نقول هذا دائماً ونحن نتناقش مع بعض الأطراف في ما يخص مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة؛ طالما ميزان الخطاب الديني أعوج فلن يصلح الحال، فمقابل إسكات أي متطرف سني لا يتم التعامل بنفس القوة والحزم بل والاستنكار وتعرية أهداف أي متطرف شيعي يستغل مواقف تاريخية حصلت لأجل إسقاطها على الواقع، لم نجد إلى اليوم أي موقف شجاع من أهل شيعة العرب في إسكات متطرفيهم الشيعة وإنزالهم من على المنابر ومحاربتهم، مقابل كل الحروب التي شنت لأجل إيقاف أي متطرف سني يستغل منبره الديني في تأجيج الطائفية، لم نجد منهم من يعلن بكل صراحة ويظهر في وسائل الإعلام دون خوف ودون أسماء مستعارة ليقول بأن ما حدث جاء بسبب إيران ومخططاتها وفتنها، إن إيران لا تحب علماء شيعة العرب إنما علماء مخططها الطائفي.


الشيعة العرب فقدوا هويتهم وأصبح هناك من لا يفرق بينهم وبين من يتبع الولي الفقيه في إيران، رغم أن من يبحث بينهم يكتشف أن هناك مراجع دينية لهم ليسوا مع أصحاب الولي الفقيه ولا المخططات الإيرانية بالمنطقة، وهناك شرائح منهم لديها فكر متقدم جداً، بحيث يحملون أفكاراً من قبيل أن بعض الحوادث التاريخية التي حصلت من مئات السنين لا يمكن جعلها كمسمار جحا في محاربة الآخرين خاصة أهل السنة.


السيد محمد الحسيني اللبناني ظهر في تصريح على وسائل الإعلام يستنكر تصريحات المدعو حسن نصرالله الذي اتهم المملكة العربية السعودية بتدبير تفجير القديح، حيث قال: «نحن كشيعة عرب لا نسمح لك يا حسن نصرالله بالتدخل السلبي في شؤون الدول العربية، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.. شرفاء شيعة العرب لم ينسلخوا من عروبتهم وحقهم عدم التعميم ضدهم!». 


البيان الصادر من علماء شيعة البحرين عندما أورد كلمة إرهاب كان ناقصاً لأنه عرف ما حصل في القطيف بالإرهاب لكنه لم يورد يوماً الجرائم التي حصلت أيضاً على يد «داعش» ضد مسيحيي مصر وكسابسة الأردن، وهو بيان يفتقر إلى حيادية المواقف تجاه جرائم «داعش» ومن يقف وراءهم ويمولهم، ونطمح اليوم أن نرى خطابات وبيانات إدانة واستنكار تتكلم باسم شيعة العرب وتعبر عن موقفهم الحقيقي مثل ما يفعل الحسيني.

الأربعاء، 13 مايو 2015

صحافة حمراء وصفراء وبلطجية الصحافة البحرينية !





صحافة حمراء وصفراء وبلطجية الصحافة البحرينية !

منى علي المطوع 



مرت في هذا الأسبوع ذكرى مناسبتين جميلتين على العائلة الصحافية في مملكة البحرين، وهما يوم الصحافة العالمي الذي يحتفى به سنوياً في 3 مايو، ويوم الصحافة البحرينية 7 مايو والذي اعتمده جلالة الملك تكريماً للجسد الصحافي في مملكة البحرين وتعزيزاً لدور السلطة الرابعة في الدولة.
تفخر كل الأقلام الصحافية التي بدأت مشوارها الصحافي مع انطلاقة المشروع الإصلاحي الرائد لجلالة الملك بالقول أنها من جيل الملك حمد الصحافي، وهو وسام شرف كبير سيستشعر به كل صحافي مستقبلاً وهو يسرد على الأجيال القادمة كيف بدأ أولى خطوات الكتابة مع خطوات الملك وإطلاق المشروع الإصلاحي وعايش أجمل اللحظات التاريخية وخاض تجربة تغطية أول انتخابات بلدية ونيابية تجري في مملكة البحرين؛ بل وحتى انتخابات طلابية في جامعة البحرين، فهذا تاريخ مشرف قلده جلالة الملك لقلمه وهو يشهد هذه النقلة النوعية التي لاتزال كثير من دول المنطقة لا تعرفها حتى.



فجلالته أوجد قنديلاً من نور وضعه في يد كل صحافي ليسير به مستنيراً بديمقراطيته وأجواء حرية الرأي والتعبير التي أهداها لهم، وكما أهدى جلالته هذه الأمانة الإعلامية للعائلة الصحافية في مملكة البحرين، ينبغي على جميع أفراد هذه العائلة تقدير المسؤولية الوطنية التي حملها أياهم.



رغم أن الصحافة معروف عنها أنها مهنة المتاعب؛ لكن جلالة الملك حولها إلى مهنة المكاسب، ونقصد بذلك المكاسب الوطنية التي تحصدها مملكة البحرين من جراء هذا المشروع الديمقراطي الذي وجه الأنظار إلينا، فهي مكاسب كبيرة جداً قد لا يشعر بها المواطن بقدر ما يشعر بها الصحافيون والإعلاميون في الدول الأخرى وهم يتابعونها، فالصحافي في دول كثيرة يتعرض للسجن والقتل والتهديد والاعتداء والسرقة، بينما صحافي البحرين ينعم بنعمة الأمان الصحافي وضمانات الحرية الذي أوجدها له جلالة الملك بحيث مانع سجن أي صحافي، فحتى الجرأة التي تظهر بها الكثير من الأقلام الوطنية المخلصة مستمدة من ملك جريء حول الأحلام الإعلامية إلى واقع وفق مشروعه الرائد.



في مملكة البحرين هناك نوعان من الصحافة يتبينان عند المتابع للصحافة؛ هناك صحافة وطنية حمراء تأتي من اللون الأحمر الذي يفسره علماء النفس والطاقة أنه لون الحب والانتماء، وهو لون يثير لدى من يراه مشاعر الولاء والحب والطاقة الإيجابية والشجاعة والنبل، وهناك صحافة طائفية صفراء تأتي من نفس المعنى الذي يورده اللون الأصفر كونه لون الغش والغيرة والخديعة والمرض والابتسامة المتكلفة الباهتة المنافقة الكاذبة. والصحافة الوطنية الحمراء في مملكة البحرين نلحظها تتميز بدورها الكبير في إشاعة مفاهيم هذا اللون من تعزيز الولاء والانتماء للوطن والقيادة وحبهم والترويج لمفاهيم التعايش والصدق والإخلاص، بينما الصحافة الصفراء لدينا نلحظها تتجه دائماً نحو ممارسة التمييز والعنصرية ونشر أمراض الطائفية والحقد والغيرة ضد المكونات الأخرى في المجتمع، بل والنفاق والتقية التي تشبه الابتسامة الصفراء المتداولة كمصطلح لغوي.



إن الصحافة الصفراء في مملكة البحرين والتي تمارس دائماً مهمة النبش في ملفات التفرقة والفتن والتي جاءت كمثال يؤكد مصطلح الصحافة الصفراء عالمياً والذي يعني صحافة الإثارة والجرائم والفضائح والانحياز والمبالغة، وهي صحافة تعد رخيصة المضمون والسعر، حتى لكونها تطبع على أوراق صفراء رخيصة الثمن، فصحافتنا الصفراء تجاوزت هذا المفهوم وابتكرت مفهوماً جديداً في عالم المصطلحات الصحافية حينما نجدها باتت صحافة سوداء كلون أكياس القمامة، والتي إن لم يتم جمعها والتخلص منها قد تنشر الأوبئة والأمراض وقد تخرج كائنات حية وفيروسات تمرض الناس، فهدف التخلص منها تقليص تأثيرها السلبي على البيئة والمجتمع.



الصحافة السوداء في مملكة البحرين لم تظهر قبل أربع سنوات فحسب -عندما برزت كثيراً ونشطت خلال تلك الفترة-؛ إنما ظهرت قبل ذلك بكثير، ونحن نراها تمارس التمييز الصحافي، فلا تنشر ولا تركز إلا على الطائفة التي تدعمها وقضاياها، بل إنها تخصص صفحات خاصة عن المناسبات الدينية الخاصة وتروج دائماً لمفاهيم لم يعرفها المجتمع البحريني في مراحل زمنية سابقة كان ينعم فيها بالتعايش الطائفي في أسمى صوره، كمفهوم المظلومية والعبودية ونشر أخبار ملفقة حول هدم المنازل والمساجد والاعتقالات والتعذيب والظلم وما شابه من مصطلحات، ووصلت بها الوقاحة التركيز على مسؤولين إيرانيين، بل إنها تمارس التزوير التاريخي بطريقة غير مباشرة في قلب حقيقة هوية هذا الشعب وتحاول دس السم في عسل الأخبار والتقارير والتحقيقات المغرضة التي تنشرها، والدليل أنها لم تتجرأ يوماً بنشر مدى التجاوزات الإدارية والقانونية في الجمعية الانقلابية التي تلمع دائماً أعضاءها والديكتاتورية الممارسة فيها بعدم تدوير منصب الأمين العام وتغييره منذ سنوات طوال، لم نرها تنشط في طرح ملفات عن قضايا حقوق الطفل الذي يستغل في العمليات الإرهابية، لم تنتقد نشر صور رجال الأمن ومعلوماتهم الشخصية في الفضائيات الإيرانية العوراء والمواقع الإلكترونية خلال الأزمة الأمنية والقائمة السوداء للتصفية التي نشرت، حتى على المستوى الإقليمي لم نرها تنتقد المجازر الطائفية في سوريا والعراق والأحواز وإيران.






الصحافة الوطنية الحمراء في مملكة البحرين قد تطرح ملفات كثيرة تعارض فيها سياسات عمل جهات بالدولة وتنتقد بدرجات كبيرة من الحرية والديمقراطية مسؤولين حتى ووزراء، ولكن الفرق بينها وبين هذه الصحافة الصفراء السوداء أنها تطرح القضايا لأجل علاجها ولأجل الترميم والبناء لمصلحة الوطن ونظامه وشعبه وتتحرى الدقة في خطابها الإعلامي، بحيث تبتعد عن إثارة الفتن وتأليب المجتمع ضد الدولة، بينما الصحافة السوداء نراها صحافة هادمة تنشر ملفات لأجل تمرير أهداف وأجندة خارجية وتركز على وزراء ومسؤولين تستهدفهم لأجل أهداف طائفية مقابل تجاهلها مسؤولين ووزراء آخرين وتطبل دائماً للخراب والفتن، وإننا نتحدى أن تثبت هذه الصحافة أنها تتكلم بلسان الشعب كله لا فئة معينة منه، ونتحدى أن تطرح ملفات الإسكان والبطالة والمناسبات الدينية لفئات وطوائف أخرى في المجتمع والتمييز الطائفي الذي تعاني منه هذه الفئات من الفئة التي تدعمها، بل ونتحدى أن تستعرض ما تمارسه أبواقها في الصحافة الإلكترونية وهي تصف الصحافيين المخلصين بأنهم عملاء للنظام وأبواق وبلطجية.


ختاماً، بمناسبة يوم الصحافة العالمي والبحريني نقولها بكل فخر؛ إن كان الدفاع عن شرعية البحرين بلطجية فنحن نهنئ أنفسنا بمناسبة يوم الصحافة أننا أكبر بلطجيه في حب البحرين ونظامها وشعبها والانتماء لهم، وأننا عملاء للحقيقة وشرعية الوطن وأبواق لن تسكت ولن تهدأ عن الصدح بالحق والدفاع عن الوطن دائماً، فالدفاع عن الوطن لا يشترط أن يكون ميدانياً وعسكرياً إنما أيضاً في هذا الزمن يكون إعلامياً، فهنيئاً لكل جندي إعلامي بمناسبة يوم الصحافة البحرينية حمله لدرع الحق والمحاربة من أجله، فشتان بين "صحافي النور" الذي ينور العالم بحقيقة البحرين وطيبة نظامها وشعبها ويحمل قناديل مشروع الملك الإعلامي ويفهم أهدافه وحدوده، وبين "صحافي الجمر" الذي يلهث وراء إشعال النار بأي طريقة ورمي جمرات الطائفية والكراهية على المجتمع.


http://www.alwatannews.net/ArticleViewer.aspx?ID=Nj6hNzdMo2u68833338eVi833338nBCQ933339933339

مسلمون ولكن !!



مسلمون ولكن!!

منى علي المطوع 




عندما زار الإمام محمد عبده رحمه الله أوروبا قال «ذهبت إلى بلاد الغرب رأيت الإسلام ولم أرَ مسلمين، وذهبت إلى بلاد العرب رأيت مسلمين ولم أرَ الإسلام!».

المسلم في هذا الزمان تجاوز هذه العبارة، حيث بدأنا نشعر أن كثيراً من المسلمين باتوا مسلمين بالاسم فقط، غير مدركين لوجود الله تعالى، وأنه سبحانه وتعالى مطلع على أعمالهم وأفكارهم.
تلك الظاهرة، وهي عدم إدراك أن الله موجود، ومطلع على أعمالنا وأفعالنا، باتت متفشية بشكل رهيب بين الناس، حتى غدا كثير منهم يتصرف وكأنه لم تعد له علاقة بالإسلام، سوى مسمى الديانة المذكور في جواز سفره. فالإسلام ليس لقباً تشريفياً يمنح للمرء، ولا عبادات تؤدى بشكل سريع دون التمعن في معانيها، بل الإسلام هو دين التعامل والأخلاق والسلوك الحسن.


منذ فترة، وأنا أتأمل في كثير من القصص والمواقف التي تمر وأسمع عنها، وتظهر لي شيئاً فشيئاً أن كثيراً من المسلمين باتوا يعيشون وهم مقتنعون أنهم مسلمون بما يقومون به من عبادات ولكنهم عند الفعل خاصة مع الآخرين لا يلتزمون بأفعال الإسلام السمحة، رغم أن ديننا دين الأخلاق. وكأن تصرفاتهم توحي للمرء وهو يتابعها أنهم لم يضعوا في الاعتبار وجود الله ولا الخشية منه -ونعوذ بالله من ذلك- وإذ كنا نسأل الكثيرين ممن نقوم بمناقشتهم كيف من يظلم ويطغى ويؤذي الآخرين لا يخاف من لقاء الله؟! هل لا يخشى اللحظة التي سيوضع فيها في قبر طوله متر في مترين ويغلق عليه إلى يوم القيامة؟! وقد يكون هذا القبر حفرة من حفر النار لما مارسه طيلة حياته من أذى وظلم. ألا يفكر هؤلاء إن لم يجدوا عقاباً أو رادعاً أن هناك عقاباً أكبر وأشد في الآخرة؟! ألا يفكرون أن الله يسقط الذنوب التي بينه وبين عباده، لكنه لا يسقط الذنوب التي بين العبد والآخرين؟! إن نار الدنيا إن لمسناها يوماً عن طريق الخطأ لا نتحملها، فكيف بنار جهنم؟! وإذا اتفقنا أن هذا الشخص غير مهتم أبداً بمسألة الثواب والعقاب، وكأنه هو الآخر أيضاً يدرج في فئة المسلمين بالاسم دون الفعل، ألا يفكر أن ما يمارسه مع الناس قد يتعرض له أحد أبنائه أو أحفاده مستقبلاً؟!


معظم الإجابات التي جاءتني من بعض الناس حول تلك المسألة كانت غريبة، وكأنها تعبر عن اقتناع بهذا المبدأ والمفهوم «هؤلاء لا يفكرون بهذه الطريقة، هؤلاء لا يرون الأمور من هذا المنظار، هؤلاء لا يعرفون هذا الكلام». «فنرد عليهم»: «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».


من القصص التي نستعرضها وتؤكد مفهوم «مسلم بالاسم دون الفعل»، مدير في عمله السابق «غربل عيال الناس لين ما الناس باتت تقوم وتنام وهي تدعي عليه» وأول ما تم تعيينه في مكان آخر، قام بفصل موظف من ذوي الاحتياجات الخاصة قدم له إجازاته وتقاريره المرضية، ورغم حالته المادية ورغم تظلمه، إلا أنه لم ينصف ولم يبقَ خيار أمامه سوى توكيل محامٍ، وهو لا يملك المبلغ الذي يدفعه كمصاريف للقضية، فسكت واحتسب إلى الله. لم يفكر هذا المدير الذي لم يكن هذا الموظف أول ضحية يقيلها كيف سيعيش هؤلاء الشباب، ومنهم من لديه عائلة ومنهم مديون ومنهم معاق، وقد لا يجدون من يوظفهم جراء قرار فصلهم، وقد تنهار حياتهم في أي لحظة أو يلجؤون للانحراف «فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق».


امرأة حياتها قائمة على إرسال الفتيات إلى الرجال وأخذ مبلغ مالي، ولا مانع إن أرسلت فتيات صغيرات إلى رجال في دول أخرى، فالأولوية الأولى في حياتها هي جمع المال لا شيء آخر، ولم تفكر أن هذا المال سيشهد عليها يوم القيامة بعدد المنازل التي هدمتها وبعدد المشاكل التي جاءت من وراء ما تقوم به من إفساد الفتيات وتضييع الرجال.


رجل دأب على مقابلة الفتيات والخروج معهن، بل ومحاولة سلب الهدايا والأموال منهن بالاحتيال والكذب، وكم من فتاة انتظرت وعده بالزواج منها فاختفى من حياتها بعد أخذه ما يريده منها، ويبدد وقته في الكلام مع الفتيات ولم يفكر يوماً في مصير الفتيات اللاتي ضاعت حياتهن بسببه، وإن لم يوقفه الخوف من الله، عليه أن يخاف أن تكون إحدى قريباته كأخواته أو بناته ضحية رجل مثله في يوم ما.


موظفه لا هم لها سوى التكلم في أعراض الناس وعلاقاتهم الزوجية، وطيلة الوقت تشتم وتسب وتتلفظ بكلمات بذيئة، بل إنها إن حضرت إلى الدوام، إما أن تنام على المكتب أو تخرج ولا تعود إلا وقت بصمة الخروج، وأعمالها تؤديها موظفة أخرى لم تعترض لأنها تحتاج إلى المال، ولم تفكر يوماً في الراتب الذي تتقاضاه مقابل عدم قيامها بأي شيء، والوظيفة التي تشغلها، مقابل الكثير من العاطلين عن العمل الجالسين في منازلهم وما تقوم به من إيذاء للآخرين وإزعاجهم، والتكلم عليهم سواء بالحلال أم بالحرام. 


أما الأغرب فزميلتها التي أمامها تدعي صداقتها ومن ورائها تتكلم عنها وعن فضائح عائلتها، وتدعي أنها مجرد زميلة لا صديقة، غير مسؤولة عن كل ما تقوم به من تصرفات مزعجة وكلام بذيء، حيث تقوم بنقل كل ما تقوله إلى موظفة أخرى، والتي عندما سرب أحدهم إليها ما تقوم به هذه الموظفة «المنافقة»، وهو يقول «هذي شيء عوود اللي تسويه من نفاق وكذب ونقل كلام فالفتنة أشد من القتل»، قالت الموظفة الأخرى «أعرف أنها منافقة ولها وجهان فلو كان لديها «ذات» لما تكلمت أصلاً عن عائلة المسؤول الذي كان سبب توظيفها هنا، فالكلام الذي تنقله لي يمكنني من معرفة ما يحصل من ورائي وسأستفيد منه لاحقاً كإثبات ضدها فهي لن تخاف سوى من هذا أمام نسيانها الله في ما تقوم».


هؤلاء الذين انشغلوا بطاعة أهواء أنفسهم وخبث تصرفاتهم على حساب طاعة الله والخشية منه، لا يسع المرء إلا أن يقول وهو يتابعهم «الحمد الله الذي عافانا مما ابتلاهم، واللهم اشغلني بذكرك عن ذكر غيرك واشغلنا بطاعاتك عن طاعة معاصي غيرك».